الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

تَوَقُّدُهُ ، وَبَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ، وَمِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُ ، وَشُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ ، وَفُرْقَاناً لَا يَخْمَدُ بُرْهَانُهُ ، وَتِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ » « 1 » . فإنّ المستفاد من جميع ذلك أنّ كتاب اللَّه تعالى بجميع ما أُنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان موجوداً بين الناس يستضاء بنور هدايته ويهتدي بهداه ، ولو كان الكتاب محرّفاً أو ناقصاً في شيء من آياته لما كان له هذه المنزلة وتلك الآثار ، خصوصاً قوله عليه السلام : « وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ » شاهد لوجود جميع الكتاب بين أظهر الناس ، واحتمال وقوع التحريف فيه بعد زمانه عليه السلام منفي بالإجماع . فتلخّص : أنّ الأدلّة متضافرة على بطلان مزعمة التحريف وأنّ كتاب اللَّه محفوظ بين الامّة كما نزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، مضافاً إلى الشهرة القطعيّة بين علماء الفريقين ومحقّقيهم . الثالث : أدلّة القائلين بالتحريف ونقدها : وأدلّتهم ليست إلّاروايات أكثرها ضعيفة سنداً أو دلالة ، مشوّهة مضيّفة ، تشبّث بها قليل من العامّة وكذا قليل من الأخباريين من الإماميّة نذكرها في ضمن طوائف مع الجواب عنها : الطائفة الأولى : الروايات الّتي لا شكّ في كونها مجعولة مثل ما دلّ على حذف ثلث آيات الكتاب العزيز أو أكثر من ذلك وكذا ما يدلّ على إسقاط آيات كثيرة من سورة واحدة ، نظير ما روي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : « إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمّد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية » « 2 » ، وما رواه العامّة عن زرّ قال : قال ابيّ بن كعب يا زرّ : كأيّنْ « 3 » تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت : ثلاث وسبعين آية وقال : إن كانت

--> ( 1 ) . نهج‌البلاغة ، الخطبة 198 ( 2 ) . تفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 313 ( 3 ) . كأيٍّ : اسم مركّب من كاف التشبيه وأيّ المنوّنة ، وجاز الوقف عليها بالنون ، ويفيد معنى « كم » الاستفهاميّة ، راجع مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 186 .